صفي الرحمان مباركفوري

72

الرحيق المختوم

خلالها صور كيفية تفكيره ، فقال : إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ . فَقالَ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ . إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ . وبعد أن اتفق المجلس على هذا القرار أخذوا في تنفيذه ، فجلسوا بسبل الناس حين قدموا الموسم ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم أمره « 1 » . والذي تولى كبر ذلك هو أبو لهب ، فقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتبع الناس إذا وافى الموسم في منازلهم وفي عكاظ ومجنة وذي المجاز ، يدعوهم إلى اللّه ، وأبو لهب وراءه يقول : لا تطيعوه فإنه صابئ كذاب « 2 » . وأدى ذلك إلى أن صدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وانتشر ذكره في بلاد العرب كلها . أساليب شتى لمجابهة الدعوة ولما رأت قريش أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لا يصرفه عن دعوته هذا ولا ذاك . فكروا مرة أخرى ، واختاروا لقمع هذه الدعوة أساليب تتلخص فيما يأتي : 1 - السخرية والتحقير ، والاستهزاء والتكذيب والتضحيك ، قصدوا بها تخذيل المسلمين ، وتوهين قواهم المعنوية ، فرموا النبي صلى اللّه عليه وسلم بتهم هازلة ، وشتائم سفيهة ، فكانوا ينادونه بالمجنون وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ [ الحجر : 6 ] ويصمونه بالسحر والكذب وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ، وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ [ ص : 4 ] وكانوا يشيعونه ويستقبلونه بنظرات ملتهمة ناقمة ، وعواطف منفعلة هائجة وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ [ القلم : 51 ] وكان إذا جلس وحوله المستضعفون من أصحابه استهزءوا بهم وقالوا : هؤلاء جلساؤه مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا [ الأنعام : 53 ] قال تعالى : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [ الأنعام : 53 ] وكانوا كما قص اللّه علينا إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ . وَإِذا مَرُّوا

--> ( 1 ) ابن هشام 1 / 271 . ( 2 ) روى فعله هذا الترمذي عن يزيد بن رومان و . . . عن طارق بن عبد اللّه المحاربي ورواه الإمام أحمد في مسنده 3 / 492 ، 4 / 341 .